جمال الدين بن نباتة المصري

78

سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون

وفي العرب من يفتخر بذلك ، قال الراجز يمدح أبرص : أبرص فيّاض اليدين أكلف * والبرص أدرى باللّهى وأعرف « 1 » وهو أوّل من صنع له الشمع ، وأدلج من الملوك ، وكان ذا رأى وهمّة وتيه مفرط ، ويقال له : نديم الفرقدين ، كان إذا شرب قدحا صبّ لهما قدحين ولا ينادم غيرهما ، وكان سبب ذلك في ما زعموا أنه كان قد تكهّن واتّخذ صنمين يقال لهما : الضّيزنان « 2 » ، يستسقى بهما وينتصر على أعدائه . وكانت إياد قد خرج قوم منهم من الحجاز ، وانتشروا في ما بين البصرة والكوفة ، وتمكّنوا على ما يلي الحيرة ، وكثروا بعين أباغ ، فخرج جذيمة غازيا . وكان في إياد رجل يقال له عدىّ بن نصر ، وكان له ظرف وجمال ، وإليه تنسب الملوك من آل نصر ، فنزل جذيمة بساحتهم ، فبعث إياد قوما منهم إلى صنمي جذيمة ، فسقوا سدنتهما الخمر وسرقوهما ، فأصبحوا بهما في إياد ، فبعثت إياد إلى جذيمة تقول : إن صنميك قد أصبحا عندنا ، زهدا فيك ورغبة فينا ، فإن عاهدتنا على ألّا تعزونا رددناهما إليك . فقال جذيمة : وتعطونى أيضا عدىّ ابن نصر يكون عندي . ففعلوا وانصرف عنهم ، وضمّ عديّا إلى نفسه ، وولّاه شرابه وأمر مجلسه . وكان لجذيمة أخت تسمى رقاش ، وهي بكر ، فأحبّت عديّا وأحبّها ، فسألته أن يخطبها من جذيمة إذا سكر ، ففعل ذلك وزوّجه بها ، وأشهد عليه من حضر ، فلمّا أصبح دخل عليه بثياب العرس - وكان قد دخل بها تلك الليلة - فقال جذيمة : ما هذه الآثار يا عدىّ ؟ فقال : آثار عرس رقاش ! فقال : من زوّجكها ، ويحك ! قال : الملك ، فأكبّ على الأرض مفكّرا ، وهرب عدىّ ،

--> ( 1 ) الرجز لطريف بن سوادة . الحيوان للجاحظ ج 5 . 164 . ( 2 ) في اللسان : « ضيزن » اسم صنم ، والصيزنان : صنمان للمنذر الأكبر ، كان اتخذهما بباب الحيرة ليسجد له منهما من دخل الحيرة امتحانا للطاعة » .